لم يكن قسم المحاسبة يومًا ضمن الأقسام التي تخيلت نفسي أنتمي إليها، ولم يكن الطريق الذي رسمته في ذهني منذ البداية. لكنني آمنت أن بعض الطرق لا نختارها نحن، بل يختارها الله لنا، وأن الاستخارة الصادقة قد تقودنا إلى أماكن لم نخطط لها، لكنها تكون خيرًا لنا.
بعد الاستخارة، اخترت أن أخوض هذه التجربة، وبدأت رحلتي في قسم المحاسبة، وأنا أحمل فكرة واحدة آمنت بها منذ اليوم الأول: أينما أكون، سيكون النجاح والتميز خياري. فلم أؤمن يومًا أن التميز حكرٌ على الأقسام الطبية أو الهندسية أو غيرها، أو أن النجاح مرتبط باسم التخصص وحده. كنت أؤمن أن الإنسان هو من يصنع قيمته في المكان الذي يوجد فيه، وأن الشغف والاجتهاد والإصرار قادرون على تحويل أي تخصص إلى مساحة للإنجاز.
وخلال سنوات الدراسة، كان هدفي أن أكون الأفضل فيما أستطيع، فكان التميز رفيق كل عام دراسي، حتى حصلت على المرتبة الأولى في كل سنة من سنوات دراستي، وكانت ثمرة هذه الرحلة أنني تخرجت الأولى على كلية الإدارة والاقتصاد، لكن يوم التخرج لم يكن بالنسبة لي نهاية الطريق، بل كان بداية مرحلة جديدة.
انتقلت من مقاعد الدراسة إلى ميدان العمل، ومارست مهنتي التي أحببتها، مهنة المحاسبة، تلك المهنة التي تمثل أحد الأعمدة الأساسية في أي شركة ومؤسسة، والتي جعلتني أكتشف أن ما تعلمته أكاديمياً لم يكن مجرد معلومات دراسية، بل أساسًا حقيقياً يمكن أن أبني عليه مسيرتي المهنية. ومع مرور الوقت، بدأت أكتسب الخبرة العملية إلى جانب ما امتلكته من أساس أكاديمي، وأصبحت أكثر قدرة على فهم المهنة ومواجهة تحدياتها، حتى كنت من المتميزين في عملي. لكن الطموح لم يتوقف عند حدود الوظيفة.
كان بداخلي حلم آخر، وهو إكمال الدراسات العليا. وهنا بدأت مرحلة مختلفة تمامًا؛ مرحلة كان عليّ فيها أن أوازن بين عملي ودراستي، وأن أجد الوقت والطاقة لأواصل حلمًا جديدًا دون أن أتخلى عن مسؤوليتي المهنية. كنت أعمل وأدرس في الوقت نفسه، وأحاول أن أصنع لنفسي طريقاً لا يكون فيه أحدهما على حساب الآخر. وكان تخرجي بالنسبة لي نقطة بداية، لا نقطة نهاية؛ بداية لأثبت لنفسي قبل أي شخص آخر أنني أستطيع أن أعمل وأدرس وأواصل طموحي في الوقت ذاته.
لم يكن الطريق سهلًا، وكانت المنافسة على الدراسات العليا شديدة، والمقاعد محدودة، والوصول إليها بدا في لحظات كثيرة أقرب إلى المستحيل، لكنني تعلمت خلال رحلتي أن كلمة «مستحيل» لا تعني أن أتوقف، وإنما تعني أن عليّ أن أبذل جهدًا أكبر.
درست وأنا أعمل، وواجهت التعب والضغط والقلق، وواصلت رغم كل الظروف، حتى جاءت اللحظة التي انتظرتها طويلاً. حصلت على المقعد الأول ضمن القناة التي تقدمت إليها، بعد منافسة شديدة ومقاعد محدودة. في تلك اللحظة، لم أشعر أنني حصلت على مقعد دراسي فقط، بل شعرت أنني حصلت على جواب لكل لحظة شك، ولكل ساعة تعب، ولكل مرة قلت فيها لنفسي: «هل أستطيع أن أكمل؟» وكان الجواب: نعم، أستطيع.
لكن قصتي هنا لا تنتهي…
فهذا المقعد ليس نهاية حلم، وإنما بداية لحلم أكبر طالما سكن بداخلي؛ حلم الوصول إلى أعلى درجات العلم والمعرفة، والاستمرار في التعلم والتطور، والسعي لأن أكون يومًا ما أستاذةً وباحثةً في مجال تخصصي، وأن أترك أثرًا حقيقياً في العلم وفي كل طالب وطالبة قد تجمعني بهم رحلة تعليمية في المستقبل.
واليوم، وأنا أخطو هذه الخطوة الجديدة، أشعر بالامتنان لكل ما مضى؛ لكل تعبٍ علّمني، ولكل تحدٍ قوّاني، ولكل تجربة صنعت مني الإنسانة التي أنا عليها اليوم. تعلمت أن النجاح لا يرتبط بتخصص معين، ولا بعمر معين، ولا بظروف مثالية. النجاح يبدأ عندما تؤمن بنفسك، وتعمل من أجل هدفك، وتثق بأن المكان الذي وضعك الله فيه يمكن أن يكون بداية لشيء عظيم.
ولهذا، إذا كان هناك شيء واحد أود أن أقوله لكل طالب وطالبة، فهو:
لا تقللوا من قيمة تخصصكم، ولا تجعلوا أحلامكم محدودة باسم قسم أو كلية. أينما تكونون، كونوا متميزين. اجعلوا وجودكم في المكان سببًا لنجاحكم، لا تجعلوا المكان هو سبب نجاحكم.
فقد بدأت رحلتي في قسم لم أخطط يومًا لدخوله، وأحببته حتى أصبح جزءًا من هويتي وطموحي، ووصلت من خلاله إلى حلم لم أكن أجرؤ أحياناً على تخيله. وما بين البداية وهذه الخطوة، كان هناك شيء واحد لم يتغير: إيماني بأنني أستطيع.
أما القادم، فأؤمن أنه أجمل، لأنني ما زلت أملك حلمًا، وما زلت أملك شغفاً، وما زلت أؤمن أن أجمل النجاحات هي تلك التي لم نصل إليها بعد. والحمد لله الذي جعل بعد الاستخارة طريقاً مزهرًا، وبعد كل تعبٍ وصولاً، وبعد كل حلمٍ خطوةً أقرب إلى حلمٍ أكبر.
واليوم، لا أرى أنني وصلت إلى النهاية، بل أرى أنني وضعت قدمي على أول الطريق نحو حلم أكبر؛ حلم أن أواصل مسيرتي الأكاديمية حتى أصل يومًا إلى المكان الذي طالما تمنيت الوصول إليه: أن أحمل أعلى لقب علمي في تخصصي، وأن أكون بروفيسورة في المحاسبة. وسأزرع حب التخصص في قلب كل طالب سألقي به يومًا…
وأؤمن أن الطريق مهما طال، فإن بدايته حلم، ووسطه اجتهاد، ونهايته توفيق من الله.
وأخيرًا…
بعض النجاحات لا نصنعها وحدنا، وإنما تقف خلفها أيادٍ آمنت بنا، وقلوبٌ شجعتنا، وأشخاصٌ جعلوا الطريق أجمل وأسهل. ولا يمكن أن أروي هذه الرحلة دون أن أتوقف بكل امتنان أمام أشخاص كان لهم أثر كبير في وصولي إلى ما أنا عليه اليوم…
كل الشكر والعرفان لأساتذتي في جامعة الحمدانية وعمادة كلية الإدارة والاقتصاد الذين لم يكونوا مجرد أساتذة نقلوا لي المعرفة، بل كانوا سبباً في أن أحب تخصصي أكثر، وأن أرى في المحاسبة علمًا ومهنةً تستحق الشغف والاجتهاد. كانوا خير ناس في خير مكان، وتركوا في داخلي أثرًا سيبقى حاضرًا في كل خطوة أكاديمية ومهنية أخطوها.
ولوالدي، صاحب الحضور الثابت في كل مراحل حياتي، الذي كان إلى جانبي دائمًا، سندًا وداعمًا ومؤمناً بي وبقدرتي على الوصول. مهما كتبت من كلمات، ستبقى عاجزة عن وصف امتناني لكل ما قدمه لي، ولكل مرة كان فيها وجوده سبباً لأن أواصل الطريق وأنا أكثر قوة وثقة.
